الصكوك الإسلامية (التوريق) وتطبيقاتها المعاصرة وتداولها

 496


المقدمة

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى بهداهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين ، وبعد

  إن المعاملات المالية من أهم مجالات الحياة اليومية، كما أنها أكثرها نشاطاً وتطورًا، إذ تتجدد وتتطور صور وأوجه هذه المعاملات تبعًا لنشاط وتشعّب الحياة الحديثة. ومن أحدث وأبرز هذه التطورات ظهور عملية التصكيك أو التوريق بين المؤسسات المالية الإسلامية في سائر أنحاء العالم. ففي هذا البحث المتواضع، سنتناول موضوع التصكيك أو التوريق من حيث مفهومه، دوافعه، وأنواعه، وأساليبه، لننتهي إلى محاولة التكييف الفقهي لهذه العملية، وأركانها، وأصولها، وضوابطها.

وقبل الشروع في صلب البحث ننظر إلى المنطلقات العامة لهذه القضية ووضعها من الاجتهاد المعاصر ومتطلباتها، وذلك باعتبار أن عملية التصكيك بصورتها الراهنة من النوازل والمستجدات التي لم تسبق إليها العصور السابقة حتى لدى الغربيين فهي من المنتجات التى ابتكرتها الصناعة المالية الحديثة. وبما أن النصوص في مجال المعاملات المالية والقضايا المتعلقة منها الصكوك الإسلامية، بمثابة القواعد العامة والأصول أو المبادئ الأساسية -بدون التفصيل في أحكام الجزئيات والفرعيات-، يعتبر مجال المعاملة المالية أوسع مجالا لتقبل الاجتهاد، كما أننا في أمس الحاجة إليه لضمان سيرورتها مع روح الشريعة ومرادها.

وانطلاقا من هذه المقدمة فإن المعاملات المالية بصورها المتعددة والمتداولة بين الناس تقوم على عدة أصول كلية ينبغي اتخاذ تلك الأصول معيارًا من المعايير التي يحتكم إليها فيما يستجد من معاملات مالية، من أهمها قاعدة إن مدار المعاملات المالية تقوم على تحقيق مصالح العباد، وقاعدة الأصل في المعاملات المالية الإباحة.

فالأصل الأول أن المعاملات المالية تدور مع المصلحة في أحكامها لأن الشريعة كما قال ابن تيمية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. فالنظر في المعاملات، خصوصًا المعاملات المالية ينبغي أن ينطلق من مدى تحصيلها للمصلحة أو دفعها المفاسد عن العباد. ومن رحمة الله تعالى على العباد، أن القرآن والسنة لم يأتيا بتفاصيل أحكام المعاملات المالية، بل جاءا بالمبادئ الكلية والأصول العامة، لأن المصالح في هذا المجال تتغير وتتطور على الدوام. 

وبناء على هذا، فإن مجال الاجتهاد الاستصلاحي واسع في المعاملات المالية، وينبغي العمل به عند إرادة بيان حكم الشرع في مستجدات العقود والمعاملات المالية، ترشيدا لها وتحقيقا لمقاصد الشرعية العامة في الأموال.

وأما الأصل الثاني فهو من القواعد الفقهية التي جرت على لسان الفقهاء، وهي قاعدة الأصل في المعاملات المالية الإباحة، ما لم يوجد فيها نص. وفي هذا يقول ابن تيمية: "اعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها وتباين أوصافها أن تكون حلالاً للآدميين، وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها وممارستها". وقال الشاطبي : والأصل فيها – أي المعاملات- الإذن حتى يدل الدليل على خلافه. وهذا بخلاف العبادات فإن الأصل فيها عند عامة الفقهاء التوقف أو الحظر.

والدليـــــل على هذا الأصـــل قولــــــه تعالى : } هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً {.ووجه الدلالة من الآية هو أن الله خلق جميع ما في الارض للناس وجعلهم مملّكين ممكّنين لجميع ما فيها من المنافع.ومنها قوله تعالى:  } قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ {.فالآية صريحة في إنكار من حرّم رزق الله بدون دليل مما أنزل الله. وبالتالي فإن الأصل في الأشياء وفي المعاملات هو الإباحة.

ومن الأحاديث ما يؤكد هذا المعنى فمنها ما روي عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله r : ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا.يدل الحديث على أن الأمور المسكوت عنها راجعة إلى الإباحة الأصلية فيجب الأخذ بها رحمة من الله على عباده.  

إن هذا الأصل عظيم الأثر في ميدان المعاملات المالية، لأنه يفتح المجال للاجتهاد بأنواعه المختلفة، ويتيح الفرصة لاختراع واستحداث صور مختلفة للعقود والمعاملات المالية، لأن الأصل فيها هو الإباحة الأصلية، بشرط مراعاة عدم مصادمة نص من الكتاب أو السنة.ويتجلى من هذا الأصل أيضا مرونة الشريعة في المعاملات المالية ليستوعب ما يستحدث ويستجد في حياة الناس من أشكال العقود والمعاملات، منها ما نحن بصدد الكلام عنه وهو التصكيك أو التوريق.


 

user_id not set
bool(true)
string(1) "0"

 

Unfortunately your account does not have the necessary access level to continue. We would like to suggest that you upgrade account to enjoy more benefits on this website.


Comments

( No comment has been added. )

 

ADVERTISEMENT